عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

421

اللباب في علوم الكتاب

وموسى - عليهم ( الصلاة و ) السلام - ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال . وذلك يبطل الدين بالكلية . الثاني : أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي اللّه سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ يجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم ، ويخرّب ديارهم . ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولى . الثالث : كيف يليق بحكمة اللّه وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان ؟ ( ولا شك أنه قبيح . الرابع : لو قلنا : إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادت ( ها ) « 1 » تلك الصورة فهذا كفر منه ) « 2 » وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف يؤاخذ اللّه سليمان بفعل لم يصدر منه ؟ وأما أهل التحقيق فذكروا وجوها : الأول : أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقال الشيطان إن عاش صار ملكا « 3 » مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه « 4 » في السحاب فبينما هو يشتغل بمهماته إذ لقي ذلك ( الولد ) « 5 » ميتا على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يثق ويتوكل على اللّه فاستغفر ربه وتاب . الثاني : روي عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : قال سليمان لأطوفنّ اللّيلة على سبعين امرأة كلّ امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه ولم يقل إن شاء اللّه تعالى فطاف عليهنّ فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل والذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه تعالى لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعين فذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً وذلك لشدة المرض . والعرب تقول في الضعيف : « إنّه لحم على وضم وجسم بلا روح » . « ثمّ أناب » أي رجع إلى حال الصحة . فاللفظ يحتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة . الثالث : لا يبعد أيضا أن يقال : إنه ابتلاه اللّه تعالى بتسليط خوف أو وقوع بلاء توقّعه من بعض الجهات حتى صار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الخفي على ذلك الكرسي . ثم إن اللّه تعالى أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب « 6 » .

--> ( 1 ) زيادة عن الرازي في ب . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) في ب والرازي : مسلطا . ( 4 ) في ب يرميه . ( 5 ) سقط من ب . وانظر : الرازي 267 / 208 . ( 6 ) المرجع السابق .